رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الخاتمة بقلم سارة نيل

                                         

رواية وخنع القلب المتكبر لعمياء الخاتمة بقلم سارة نيل.

وخنع القلب المتكبر لعمياء الخاتمة 1

[ وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
-"الـــــخـــــــــاتــمة"-
"نحنُ للأبد، نحنُ قصة لا نهاية لها."

عينيها المتسع حدقتيها توزع النظر بينهم ببطء وقد انبجست الحياة بوجهها المُشرق، تشعر أنها تسير بجناتٍ ألفافًا، احتشدت المشاعر داخل صدرها ورددت بإرتعاش دون تصديق:-
- بابا ... وماما ... أنا شايفه صح...

بينما نرجس ويحيى استقاما وهما ينظران لها بشوق أعيا قلوبهم، أعينهم تجري على ملامح ابنتهم التي تغيرت كثيرًا، والأعظم من هذا أعينها..
إنها ترى..!!

ارتعشت أقدام نرجس شاعرة أن قلبها يكاد أن يُهاجر صدرها، كررت بجنون وهي تقترب من رِفقة تُسرف في النظر إلى كل قطعة بها ويديها المرتجفة كورقة يابسة يتلاطمها الماء امتدت لملامسة وجهها:-
- رِفقة .. بنتي حبيبتي .. قولتلك يا يحيى هي عايشة ... قولتلك عايشة ... أنا قلبي كان حاسس أنا كنت واثقة إن ربنا مش هيخذلني .. مش هيخذلني أبدًا..
ربنا مخذلنيش يا يحيى .. ربنا مردش إيدي خايبة...

هبطت دموع رِفقة أفواجًا وهي تتأمل والدتها ورفعت يدها دون تجمجم تتحسس والدتها وهي تردف من بين بكائها:-
- ربنا مخذلناش يا ماما ... ربنا مخذلنيش أنا كمان .. حاشاهُ .. حاشاهُ ... حاشاهُ..
أنا كنت واثقة ... والله كنت عارفة...

وإلى هنا انسحبت كل المسافات وغمرتها والدتها بعناق بعد فراق سنوات مريرة، تحتضنها بقوة وكأنها ماء سيتسرب من بين أصابعها، امتزج صوت بكائهم فاقترب يحيى يغمرهم بأحضانه ولم يستطع تماسك نفسه من البكاء وظل يُردد بينما يُقبل رأس رِفقة بحنان قائلًا بحمد وامتنان:-
- اللهم لك الحمد يارب لك الحمد يارب العالمين..
يا حنان يا ذا الجلال والإكرام يا ملك الملوك ... يا ملك الملوك...

أصبحت رِفقة الآن بين والديها تحاوط والدها بذراع ووالدتها بذراع وهم يحاوطنها متشبثين بها ببأسٍ شديد..
همست وهي تنعم بهذا الدفء الذي حُرمت منه لسنوات، هذا التحنان التي لم تتذوقه بعد رحيلهم منذ سنوات إلا عندما جاء يعقوب، لكن أي شيء يُقارن بهذا الذي هي به الآن..
- بابا .. ماما .. كنت عارفة إنكم هترجعوا، وحشتوني أووي يا غاليين على قلبي، كنت من غيركم غريبة ... غريبة ولوحدي..
انتظرتكم كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكنت واثقة إنكم هترجعوا..

وبعد ما يقارب العشرون دقيقة ابتعدوا عن بعضهم أخيرًا فأخذ والدها يُقبل رأسها بحنان بينما والدتها تربت على ظهرها برِفق..
نظرت لهم رِفقة بإبتسامة واسعة لتقول بحماس وهي تدور حول نفسها:-
- أنا النهاردة أسعد يوم في حياتي ...معتدش محتاجة أي حاجة من الدنيا دي..

ثم انحنت تضع جبينها فوق الأرض تسجد سجدة شُكر مطولة تبعها كلًا من نرجس ويحيى..
رفعت رِفقة وجهها ثم نظرت لهم مرةً أخرى بتأمل فهي إلى الآن لا تصدق ما تراه ولا ترتوي من رؤيتهم..
ألقت نفسها بأحضانهم بمرح لترتفع ضحكتاهم السعيدة والآن قد انبثق الفجر الحق..

كانت لبيبة تشاهد الموقف بثبات لتبتسم بخفة بحنين وقد ازدهر هذا الشوق الذي بداخلها والذي لا يخفت بتاتًا...
والدها الحبيب، صاحب القلب الحاني، مَن كان لها كل شيء ... كان لها كل الأشخاص..يعقوب بدران.
صوته ذو النبرة المُميزة الذي يتردد صداه بقلبها قبل أذنها وهي فتاة في العشرون من عمرها بينما يكتب لها وهو يحتضنها بحنان وهي تبستم بسعادة وكأن الدنيا قد حِيزت لها...
"يا بيبا إنتِ فرحة عمري وأيامي.. إنتِ حَبة قلب أبوكِ يا بيبا ... بكتبلك إللي بقوله وبقول الكلام بلساني كمان وبصوتي علشان عارف إنك سمعاه بقلبك .. أكيد لسه فاكره صوتي ولسه بيتردد في قلبك وعقلك .. روحي فدا إنك ترجعي تسمعي وتتكلمي تاني يا بنتي ... متخافيش يا لبيبة أبوكِ معاكِ وفي ضهرك ومش هيسيبك أبدًا وهترجعي تسمعي وتتكلمي تاني يا نور عيني.."

خرجت من شرودها على نرجس التي اقتربت منها ثم فجأة احتضنتها وهي تقول باكية:-
- ربنا يجبر بخاطرك ويريح بالك ويجازيكِ كل الخير على إللي عملتيه معانا ... أنا مش هنسى وقفتك دي .. إنتِ زي الملاك إللي ربنا بعته لنا، من يوم ما عرفناكِ وإنتِ بتخرجي لنا فأكتر المواقف ضيق لما بتكون كل الطُرق اتسدت في وشنا ... هفضل أدعيلك عمري كله..

تعجبت رِفقة من هذا الموقف ثم هتفت بتسائل:-
- هو إنتوا تعرفوا لبيبة هانم..

أجابها والدها وقال بإمتنان:-
- عِز المعرفة ... فاكرة يوم الحادثة لما قولنالك إن في واحدة أنقذتنا ... هي مدام لبيبة وحفيدها..
وهي نفسها إللي جمعتنا بيكِ...

وأخذ يسرد لها ما حدث لهم منذ أن رحلوا عنها ووجودهم في دار الرعاية وإهتمام يعقوب بهم ثم هروبهم بعد اليوم الذي استمعوا فيه لاسمها على لسان يعقوب... واصتدام يامن حفيد لبيبة بهم ثم مجيئهم إلى هذه المشفى وتكفل لبيبة بهم من الناحية الصحية ووعدها لهم بأنها ستجمعهم بابنتهم المفقودة..

كان والد رِفقة يسرد لها بينما هي أنظارها مُعلقة بلبيبة التي تحاشت النظر إليها، كانت تعلم أنها ذا معدن نقي جدًا، تعلم أن خلف هذا القناع الصلد الكثير من الألآم التي مهما تفاقمت لا تستطع أن تُدثر المعدن الحقيقي النقي..
لقد خرج حُلم رِفقة السعيد من تحت النوم إلى اليقظة..
لكن ما هذا الترتيب الرباني المغمور بالرحمة، حتى في أعظم أحلامها لم تكن تعلم أن الأمر سيكون بهذا الجمال، حقًا من توكل على الله كفاه وأغناه وكان حسبُه وأتاه من حيث لا يُحتسب..
نعم لقد أتاها الله من حيث لا تتوقع، وعن طريق أخر شخص تتوقعه ... لبيبة..

انتفض قلبها بسعادة وهي لا تُصدق أن كل هذه السنوات كان والديها أمام يعقوب، هذا اليوم الذي ذهبت به إلى دار الرعاية كان والديها أمامها، هذا اليوم أخبرتها الفتاة المسؤولة أن يعقوب يتكفل برجل وزوجته ويأتي إليهم بين الحين والآخر، بينما كان يعقوب يبحث عنهم لأجلها، ويبحث لهذا الرجل وزوجته عن أقاربهم كانوا هم نفس الأشخاص...
يعقوب لم يترك والديها كما رجتهُ منذ سنوات، حتى وإن لم يكن يعلم أنهم هم لكنه لم يتركهم..
رددت وعقلها لا يستوعب هذه الحقائق:-
- لما عملنا الحادثة أنقذني وفي نفس الوقت جدته أنقذت أهلي إللي مشفهمش اليوم ده..
وبعدين أقابله بعد سنين ويكون منقذي للمرة التانية هو معرفنيش علشان شكلي اتغير وأنا مش عرفتوا علشان مكونتش بشوف..
وأكيد لما حكيت ليه عن الحادثة افتكرني..
وبعدين ربنا يوقع أهلي في طريقه وهو ميعرفش إنهم نفس الأشخاص إللي أنقذوهم وإنهم نفسهم بابا وماما إللي بيدورلي عليهم، وإن أنا بنتهم وأهلهم إللي بيدورلهم عليهم..
واتخطف اليوم ده ولولا الخطف ده مكانش صرخ باسمي وأهلي فاقوا وهربوا من المكان علشان عربية أخوه تخبطهم وهما رايحين ليه بعد ما عرفوا بإصابته إللي بسببها اتجمعنا كلنا هنا..
ولولا تهديد لبيبة هانم وانهيار يعقوب مكانش يامن جه المستشفى ولا عدا الطريق ولا أنا كنت جيت هنا...
أيه الترتيب ده، أيه الرعاية دي يارب، أيه الرحمة دي..
دي مش افترضات .. ده ترتيب رب العالمين وأقداره إللي كلها خير، دا يعلمني إن كل حاجة مهما كانت بتحصل في حياتنا فهي خير، ده يعلمني إن أخذ الله عطاء بشكلٍ أخر..
دا يعلمني أرضى وقلبي كله رضا ويقين وحُسن ظن بالله رب العالمين..
أنا دلوقتي مهما أقول أن بحبك قد أيه يارب مش هقدر أوفي، وإنت أكيد عالم بقدر الحب إللي في قلبي، أنا بحبك أكتر من نفسي ونور عيني ومن الدنيا دي على بعضها يارب...
علشان كدا بحب إنت تختار ليا كل أقداري ومش تخيرني، عايزاك تكون الصاحب ليا في حياتي وفي قراراتي ... لأن واثقة إنك مستحيل مستحيل تضيعني..
إنت الأول في كل حاجة يارب إنت كل حاجة، وجودك بيخليني أطمن مهما كانت الظروف .. مهما كانت المشاكل، وجودك بيخليني أرمي الدنيا ورا ضهري يارب، عايزاك بس تفضل معايا...
اللهم لك الحمد يارب عدد ما خلقت وعدد ما في السموات الأرض..

كانت لبيبة تتفهم ما تقول رِفقة لكن والدها ووالدتها كان هذا الحديث مُبهم بالنسبة لهم، أمسكت والدتها يدها وقبلتها بحنان وهي تتسائل بعدم فهم:-
- أيه إللي حصل يا رِفقة بغيابنا وقصدك أيه بكلامك ده يا بنتي.!

جلست على الفراش ورفعت رأسها بدموع ثم أردفت:-
- حصل كتير أووي في غيابكم يا ماما، حصل إن الوجوه الحقيقية اتكشفت، وعرفت إننا وثقنا في ناس مش أهل ثقة ولا حتى أهل إنسانية...
أنا كدا فهمت الموضوع بالظبط فهمت النقط إللي كانت ناقصة، علشان الفلوس .. عملت دا كله علشان الفلوس والحقد والغيرة إللي كانوا ماليين قلبها، أنا دلوقتي عرفت قيمة نصيحة الرسول صلّ الله عليه وسلم .. استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان...
إحنا إللي عملنا في نفسنا كدا..
أحب أقولكم مش عصابة ولا بلطجية إللي عملوا فيكم كدا اليوم ده...
ده كانت مخطط غفاف .. مرات خالي..

رددت نرجس بذهول:-
- عفاف .. عفاف إزاي .. مستحيل .. دي أهلنا يا بنتي..

ضحكت رِفقة بسخرية، فحقًا قمة الألم أن يأتيك الغدر من مأمنك، وقالت بتفسير:-
- لأ يا ماما .. مش أهلنا دي أكتر واحدة بتكرهنا كلنا، إللي عملته فيا كان من جنس إللي عملته فيكم، بزيادة إن كان معاها بناتها...

وبدأت تقصّ ما حدث لها على يد عفاف منذ أن فارقوها، لم تترك شاردة إلا وذكرتها، ألاعيبها وألاعيب بناتها وإستغلالها بشتى الطُرق المنزوعة الرحمة..

أُفعِم وجه نرجس ويحيى بصدمة لا مثيل لها ومشاعر متفاوتة، ما هذه الطعنة القاسية!!
طغى على عقلها عدم الإستيعاب لما تسمعه من رِفقة..
عفاف!!
أهي حقًا من فعلت هذا؟!
هي المسؤولة عن تخريب حياتهم وتشتيتهم!!

أكملت رِفقة بوجع:-
- للأسف هي كانت متلبسة لنا وجهه ناعم حنون وإنها بتحبنا زي بناتها..
دا أنا كنت بقول لها ماما عفاف، كانت بالنسبة ليا زيك بالظبط يا ماما، أنا مش موجوعة إنها عملت فيا دا كله وكانت بتتقصد توجعني وتتخلص مني، أنا موجوعة من صدمتي فيها..
إنت متعرفيش كام مرة كنت ببهدل نفسي وأتهمها إن أنا مش كويسة وظالمة وسيئة الظن...
كنت بقول مالك يا رِفقة بقيتي وحشة كدا ليه..

صرّ يحيى على أسنانه بعصبية وشعر بالألم يمزق قلبه وصدح صوته قائلًا:-
- وخالك عاطف كان فين من ده كله يا رِفقة..

أجابته رِفقة وهي تهزّ رأسها بألم:-
- وهو إنت تايه عن خالي وشخصيته يا بابا، عمومًا هو زي ما إنت عارف بيسافر بالشهر ولما بيرجع يدوب إللي بيقعدهم يومين وطبعًا هما قدامه كانوا أحن حد في الدنيا..
أصلًا أنا اتخدعت فيهم، هما كانوا قدامي مفيش أنعم من كدا، بس لما عرفت الحقيقة ربطت الأحداث ببعضها وعرفت إللي كان بيحصلي وأنا أقول صُدف مطلعش كدا .. الدبابيس إللي كانوا بيحطوها في مكاني وعفش البيت إللي كان كل يوم والتاني يغيروه والصابون إللي بيحطوه على أرضية الحمام والأكل المملح إللي كانوا بيستغلوا طبتي وحُبي لهم ويعملوا عليه دراما وواضح إن كنت لهم المسرحية بتاعتهم وكتير أووي من ده يا بابا...

أسمعتم صوت تهشم قلوب.!!
قلبيّ نرجس ويحيى وهم لا يصدقون أنهم من وضعوا رِفقة بين يديّ هذه المجرمة..

توسعت أعين نرجس بجنون وهي تبسط كفيها المرتجفين أمام وجهها وظلت تردد بتلعثم:-
- أنا يا يحيى ...أنا السبب .. أنا إللي سلمت بنتي وحطيتها بين إيد عفاف...

وانفجرت في بكاء مرير بصوتٍ مرتفع لتقترب منها رِفقة وتحاوطها بحنان يتدفق من أعينها وهي تقول بلهفة:-
- أنا كويسة ... أنا بقيت كويسة يا ماما وربنا هو إللي كان بيحفظني وينقذني كل مرة، إنتِ مش ذنبك حاجة يا ماما إنتِ سلمتيني في إيد أكتر واحدة كانت بالنسبة لكِ أمان، إنتِ مكونتش تعرفي إن في قلبها كل أنواع أمراض القلوب..
وبعدين هي أخدت جزاءها من رِب العالمين، إنتِ نسيتي إن ربنا الحافظ المنتقم، إنتِ قبل ما تسبيني يومها عندها قولتي جملة مش بتخرج من راسي..
أنا سبتها في حمايتك وحفظك ورعايتك يارب، وبالفعل أنا كنت في رعاية رب العالمين..
وربنا عوضني بأحسن عوض في الدنيا...
إنتوا عرفتوا نص الحكاية الأول ومتعرفوش التاني ... نصها التاني إللي متمثل في أوب...
يعقوب..

ردد والداها بتعجب:-
- يعقوب..!!

أمسكت أيديهم ثم قالت وهي تتجه للخارج بينما تنظر للبيبة التي نظرت لها بدعم فاجئ رِفقة..
وهتفت رِفقة بسعادة:-
- تعالوا معايا ... لازم تشوفوا بعينكم..

_________بقلم/سارة نيل_________

أمام الحاجز الزجاجي كان يقف ينظر للداخل بتمعن شديد وأعين زاخرة بالحنين والشوق، همس يامن بنبرة تأن وجعًا:-
- اتحرمنا من بعض، اتحرمنا نكون سند لبعض، اتحرمنا نتشارك الطفولة، بس إنت إللي كان ليك النصيب الأكبر من العذاب يا يعقوب..
بعترف إن لما رجعت كنت وحش في حقك، محستش بوجعك واستهزأت بيه ومقدرتوش يا يعقوب..
زي ما لبيبة قالت، فعلًا مليش الحق اتجرأ وأقارن نفسي بيك..
إنت حاجة مختلفة يا يعقوب، حاجة من كل حاجة...
يلا أرجع بقاا علشان نعوض كل إللي فاتنا، حبيبتك مستنياك ومحدش قدر يبعدها عنك...

بينما في الداخل، بين حنايا ذاكرته، صوتها يتغلغل بقلبه تناديه ... تبكي .. تبتسم ... تتحدث...

وفي الأخير الجملة الرعدية التي انتفض لها كل ذرة بجسده:-
- يعقوب .... رِفقة عشقاك .. رِفقة روحها في روح يعقوب ... رِفقة بتحب يعقوب...

وهنا شهق يعقوب بقوة وتوسعت أعينه مُعلنًا العودة للحياة بأربعة أحرف همس بها بإحتياح:-
- رِفقة.....

ظلّ يفتح أعينه ويُغلقها مرارًا حتى اعتاد على الضوء، سرعان ما استيقظت تلك الذكريات الأخيرة واقتحمت ذاكرته..
آخر ذكراه كانت رِفقة ... وأولها رِفقة..
تغضن وجهه بالألم وهو لا يعلم كم مرّ عليه من الوقت وهو نائم ... وأين هي رِفقة..؟!
ما الذي حدث له، وهل اعتقدت رِفقة بأنه هجرها ورحلت مبتعدة عنه..!
ليته لم يعود..

جاء يُحرك جسده المتيبس ليشعر بإرهاق جسيم قابع بداخله، زفر بضيق بينما أطلق لأعينه العنان يتأمل الأرجاء التي من المؤكد باردة فيبدو أنه بغرفة في المشفى، لكنه فور وقوع أعينه على أرجاء الغرفة انفرجت كل أساريره وأحاطت به البهجة وهو يرى الغرفة مُزينة مليئة بالألوان البشوشة، شعر بقلبه ينتفض بين أضلعه فلا يفعل هذا سواها....

في الخارج رفع يامن رأسه بخزي ومسح تلك الدموع العالقة بأهدابه لتقع أعينه على مشهد تمناه في كل دقيقة ... جعله يصرخ بسعادة وقد انقلبت ملامحه إلى الضد من الكمد وهو يدور بممر المشفى..

- دكتور .. دكتور ... يعقوب .. يعقوب فاق .. يعقوب فاق..

ثم ركض يقتحم الغرفة وانكب فوق يعقوب يحتنضه بشوق وهو يردد بلهفة ممزوجة بغصة باكية:-
- يعقوب ... أخيرًا فوقت .. كنت مرعوب عليك يا يعقوب .. الحمد لله يارب الحمد لله..

نمت إبتسامة هادئة فوق فم يعقوب ورفع ذراعه يربت على ظهره قبل أن يقول بمرح:-
- ما توعي ياض شوية كاتم على نفسي ليه كدا..

كانت السعادة تنبض بوجه يامن وكاد يعقوب أن يسأله بلهفة عن رِفقة لكن قاطعه ولوج الطبيب وخلفه طاقم طبي وقد عمّ الهرج بالممر وأرجاء المشفى..

ابتسم الطبيب وهو يقول ببشاشة:-
- الحمد لله على سلامتكم يا يعقوب باشا، بقاا دا كله زعلان يا راجل ومش عايز ترجع..

جاء يعقوب يعتدل من رقدته لكنه لم يقوى ليُسرع الطبيب يقول:-
- براحة واحدة واحدة يا يعقوب، إنت بقالك فترة مش بسيطة نايم وفاقد الوعي والحركة طبيعي تبقى مُرهق وواحدة وواحدة لغاية ما المفاصل تلين..

ابتلع يعقوب ريقه الجاف وتسائل بشرود:-
- ليه هو أنا بقالي قد أيه نايم..

ابتسم الطبيب وقال بهدوء وهو يفحصه بينما يفصل الأجهزة الطبية عن جسده:-
- بقالك حوالي شهر ونص تقريبًا...

وأكمل يقول:-
- هنعمل تحاليل وأشعة روتينية ... والحمد لله على سلامتك يا بطل صحتك زي الفل، هيتابع معاك دكتور العلاج الطبيعي إللي كان بيزورك كل يوم وإن شاء الله الموضوع بسيط لأننا كنا مهتمين بالباشا وهو زعلان بكل الأشكال...

كان يعقوب يُحدق بالزينة الموضوعة بالغرفة وإلى الورود والستائر الملونة وقال بشرود:-
- شكرًا يا دكتور..

نظر الطبيب إلى ما ينظر إليه ليتبادل النظرات مع يامن الذي يكبح ضحكته بالكاد على وجه يعقوب العابس..

أشار الطبيب للمرضة قائلًا:-
- اسحبي عينة دم..

__________بقلم/سارة نيل_________

بالممر كانت لبيبة تتقدم رِفقة التي تسير والبسمة لم تفارق ثغرها، لكن جذب إنتباههم تلك الجلبة والضجيج الذي يملأ الأرجاء بينما الممرضات تهتف بإسراع مُكررين:-
- يعقوب بدران ... يعقوب بدران .. بسرعة علشان تعليمات الدكتور..

تجمدت الدماء بعروق لبيبة ورِفقة والتي سقط عكازها ثم أخذت تهرول باتجاه غرفة يعقوب لتقتحمها بنبضات قلب تدوي كالطبول...
لتتفاجئ بما اشتاق قلبها له كثيرًا، بما بذلت لأجله آلاف لحظات الصمود..
بما كان لها بقعة النور في وسط سماءها المظلمة، مشكاتها المضيئة..
هرعت إليه وأعينها وجميع أعضاء جسدها تفيض شوقًا وحنانًا، وجاءت تطوق وجهه لكنه أعرض عنها ورمقها بنظرة باردة مستديرًا للجهة الأخرى لتظل كفيها مُعلقة في الفراغ وابتعلت شوقها وتمثلت بحلقها غصة ككومة من الأشواك الذي حصدت منها الكثير بحياتها...
إنها لم تُجازى بحياتها سوى بالأشواك، لم يُجازيها أحد بالورد أبدًا...
لتكتمل حلقة الألم بإعراض يعقوب عنها...

أمّا رِفقة التي تجمدت بأرضها ونبض قلبها تزعم أنه أسمع الأرجاء...
هذا الشعور القاتل لم تشعر به من قبل، شعور الإرتعاب ليُصيبها الهلع فور أن رأت لبيبة تخرج بهذه الخيبة المرتسمة على وجهها وهذا الأكفهرار..

صاحت بنبرة باكية ممزقة، صيحة خرجت من قلبها ونزعت يدها من يد والدها وهي تركض بوجه انسحبت منه الحياة تقتحم الغرفة وبكاءها باسم يعقوب يسبقها:-
- يعقوب.....

إلا أنها تخشبت في مفاجأة تُسر العاشقين، وازدهر وجهها الشاحب وترعرت به الحياة وهي تنظر له بعدم تصديق..

أما يعقوب الذي وثب من نصف رقدته بلهفة فور سماعه صوتها يلتفت لينظر إلى مسرتهُ بهذه الحياة، مَنْ لها وبها ينبض قلبه...
نطق بعشقٍ خاص كان خبر إطمئنان لقلبه أكثر من كونِه نداء ملهوف محتاج إجتاح كل القيود..

- رِفقة .. أرنوبي..

ولم تكن من رِفقة إلا أنها لبت النداء بقلبٍ أهلكه الشوق والتوق إليه...
سعت إليه بكل مشاعرها، فكان عدوها إليه عدو من كان على وشك الغرق ثم أُنقذ باللحظة الأخيرة فأحذ يجتر ذرات الأكسجين إلى صدره بنهم..
حواها بين ذراعيه يحتضنها بلهفة وشوق وقوة لو كانت في غير سكرتها المشتاقة لتألمت، كان يزرعها بأضلعه يتحسس كل شبر بوجهها وكأنها جوهرته الثمينة التي يتأكد من سلامتها..
ورِفقة التي أحاطت وجهه تراه أمامها للمرة الأولى .. يعقوب الفائض بالحنان..
ترى العشق بأعينه للمرة الأولى، هذا الوميض الخاص بها فقط بأعينه...
لتلتقي الأعين للمرة الأولى ...عفوًا بل للمرة الثانية بعد سنوات طويلة، الأولى كانت مشوشة لكن هذه واضحة جلية..
عفوًا وماذا عن تحديق تلك الأعين البريئة النقية والتي أعلنت مصرعه في عالم العشق...!!
تلك النظرات البريئة التي قابلها هو بالشك وسوء الظن...

رفع أصابعه يتحسس عينيها بخفة لتبتسم هي بسعادة وهي تهمس:-
- شيفاك يا أوب ... شيفاك وطلعت أجمل وأوسم من الخيال بكتير أووي، كفاية الحنان إللي شيفاه في عينك دلوقتي..
عيونك فيها كتير أووي يا أوب ... كان لازم أشوفه..

سحب كفها يُقبل باطنه وهو يستنشق رائحتها بنهم وارتياح وقال بألم:-
- حقك على عيوني يا رِفقة إن وجعتك واتسببت في دموعك ... سامحيني يا حبيبتي..

إلى هنا شاهدت لبيبة مبتسمة مطمئنة القلب، يكفيها أنه بخير .. يكفيها أنه سعيد وهي في يد أمينة، لقد كان حب رِفقة في قلب يعقوب مُقدم على كل شيء حتى رغباته وهذا ما أرادت لبيبة إثباته والتأكد من صحته..
لقد نجح يعقوب في كل إختبارات العشق..
وإلى هنا قد انتهى دورها في هذه الحكاية..

تنهدت بثقل ثم تحركت مبتعدة عنهم بل وعن الجميع..
مرت بجانب الغرفة التي سيُنقل إليها يعقوب ثم وضعت أسفل الوسادة شيئًا ما وابتعدت للخارج...
ورحلت ... رحيل رُبما للأبد..
لكنها لم تنتبه لحقيبتها التي تركتها موضوعة بشرفة الغرفة...

_________بقلم/سارة نيل_________

كان والدي رِفقة يقفون بالممر أمام غرفة يعقوب ينظرون إلى بعضهم البعض بعدم فهم وتيهة..

هتف يحيى بدهشة:-
- هو في أيه بالظبط يا نرجس ومالها رِفقة..!!

أجابته بذات الشرود:-
- مش عارفة يا يحيى في أيه.....

لكن انقطعت عباراتها وهي ترى من خلال الزجاج شخصٌ ما يُطبق على رِفقة بقوة غريبة يعانقها..
صاحت بفزع:-
- إلحق يا يحيى..

أسرع ينظر إلى ما تنظر إليهم ليردد بصدمة:-
- يا وقعة مهببة ... مين ده..!!.

اقتحموا الغرفة ليفزع يعقوب ورِفقة مبتعدين وجاء يعقوب يصرخ بغضب وهو يرى الفاعل لكنه ابتلع سخطه وتقريعه وردد بصدمة:-
- إنتوا...

ردد يحيى ونرجس معًا:-
- إنت ... يعقوب..

ابتسمت رِفقة ووثبت تُمسك أيديهم ثم قربتهم وهي تقول بسرور وحبور:-
- هنا نص القصة المجهول، هنا بطلي ومنقذي..
طبعًا إنتوا عارفين بعض، بس أعرفكم أنا بطريقتي..

وقالت مشيرة نحو والديها:-
- يعقوب ... دول من وجهة نظرك الأتنين إللي كنت متكفل بيهم في دار الرعاية..
بالإضافة إلى كدا..
دول بابا وماما المفقودين يا أوب، وهما نفسهم إللي جدتك أنقذتهم يوم الحادثة يوم ما كنت أنا معاهم وإنت أنقذتني .. أيوا افتكرتك...
وهما نفسهم إللي أنفذتهم للمرة التانية ووصلتني بيهم...
قولتلك يومها متسبناش وإنت فعلًا مسبتناش..

تنفست بعمق ثم أشارت تجاه يعقوب وقالت:-
- دا بقاا يعقوب ... تعرفوه إن هو إللي اتكفل بيكم في دار الرعاية..
أعرفكم عليه أكتر...
يعقوب حفيد لبيبة هانم ... وإللي أنقذني يوم الحادثة .. وبعدين إللي أنقذني من عفاف...
وفي الاخر يبقى جوزي...

شهقت والدتها بمفاجأة لتقول رِفقة وهي ترى عدم التصديق والدهشة على وجوههم جميعًا:-
- أكيد في حاجات كتير لسه ناقصة ولازم تعرفوها يا بابا ويا ماما .. زي مثلًا حكايتي مع يعقوب وإن رجعت أشوف تاني..
كمان إنت يا يعقوب في حاجات كتيرة أووي لازم تعرفها وحصلت في غيابك..
زي إزاي أنا جيت هنا .. وإزاي عرفت أهلي ووصلت لهم...
قبل ما أحكيلك عايزاك تعرف إن بطلة الحكاية دي هي لبيبة بدران..

تضاعف الإبهام على وجه يعقوب حين سمع باسم جدته لتبدأ رِفقة تحكي لوالديها ما فعله يعقوب من أجلها وكيف تزوجها لحمايتها..
وتسرد ليعقوب ما حدث لوالديها وما فعلته الجدة لبيبة لأجلهم وما حدث في فترة غيابه..

ردد يعقوب بصدمة هزت كيانه:-
- لبيبة بدران!! مش معقول..
طب ليه عملت كدا ...وأيه إللي مخبياه..

هتفت رِفقة بألم:-
- أكيد تجربة سيئة لأبعد الحدود تركت ندوب مش بتروح..

اقترب يحيى من يعقوب ثم قال بإمتنان:-
- كنت قاعد قدامنا وبتحكلنا عن بنتنا وعن إللي حصل معاك... سبحان الله فعلًا..
ربنا كبير وقادر على كل شيء...
مش عارف أقولك أيه يا ابني على إللي عملته معانا ومع بنتي ووقفتك معاها لغاية ما وصلتها لبر الأمان ...إللي إنت عملته إنت وجدتك مفيش كلام شكر يوافيه...
ربنا يجازيك خير الدنيا والآخرة يا ابني...

في هذه الأثناء دلف حسين وفاتن للغرفة بلهفة وهرعوا باتجاه يعقوب يحتضنه بحنان وشوق وهنا ذبلت الألآم التي بقلب يعقوب وبادل والده العناق...
واحتوته فاتن بأحضانها تبكي وهي تقبل رأسه وكتفه مرددة:
- يعقوب ... يا نور عيني .. الحمد لله على سلامتك يا ابني وربنا يبعد عن جسمك كل الوحش يا حبيبي..

بادلها العناق وقبل رأسها وهو يقول براحة:-
- ربنا يباركلي فيكِ يا أمي...

ابتسمت رِفقة بسعادة واضعة يدها فوق قلبها هامسة بتنهيدة:-
- أخيرًا...

التفت حسين يصافح يحيى وهو يقول بترحاب:-
- أهلًا بالغالي أبو الغالية علينا رِفقة..
والله يامن حكالي كل حاجة في الطريق وهو بيجبنا حقيقي ....سبحان الله..
إن الله إذا أعطى أذهل فعلًا...

قال يحيى بإمتنان:-
- دا أنا إللي بحمد ربنا إن وقفلنا ولاد حلال زيكم وناس محترمة، ربنا يجازيكم خير على إللي عملتوه معانا ومع بنتنا...

عاتبه حسين بلطف:-
- عيب يا يحيى إحنا خلاص بقينا أهل ورِفقة بنتنا...

قال يامن بمرح:-
- وهو أنا مليش في الحب جانب ولا كله لسي يعقوب...
يعني أنا غلطان إن روحت بنفسي أزفلكم الخبر السعيد يا توتو إنتِ وسحس، ولا مكونتش عارف لو قولتلكم في الموبايل سحس باشا كان جاب الطريق إزاي وعمل كام حادثة..

زجرته والدته قائلة:-
- ما عيب يا ولد ... وأيوا كله ليعقوب ولا عندك إعتراض..

أردف حسين بغضب مصطنع:-
- وأنت بالذات متتكلمش على الحوادث...

وعمّ الغرفة جو من المرح حتى جاء الطاقم طبي وتم نقل يعقوب لغرفة أخرى وفحصه فحص شامل...

ساعدته رِفقة في إرتداء ملابسه لتقول له بمرح:-
- إنت خاسس أووي يا يعقوب باشا ومش عاجبني، دي بقاا مهمتي لما نرجع البيت أطبق عليك وصفات نادية السيد كلها...

قال بمزاح وهو يسير بصحبتها في أرجاء الغرفة:-
- طب ربنا يستر بقاا .. شكل مستشفى بدران هتكسب من ورانا كتير أووي الفترة الجايه..

صاحت بامتعاض وهي تلكزه:-
- قصدك أيه بكلامك ده..

سارع يتراجع نافيًا بتلقائية:-
- لا لا مقصدش حاجة وحشة ... أنا بقول يعني علشان خاطري يعني هحتاج متابعة..
وإنتِ كمان لما تولدي..

رددت بعدم فهم:-
- أولد .. أولد أيه..!

قال بدون تفكير:-
- هتولدي أرانب يعني هتولدي أيه..

أسرع يقول متداركًا:-
- أقصد في المستقبل وكدا ... أنا شكل الغيبوبة دي أثرت على دماغي ... أما أنام أحسنلي..
يلا تعالي نامي شوية..

دعمته حتى تمدد على الفراش ثم هتفت بحنان:-
- إرتاح إنت شوية وأنا هشوف ماما وبابا وأرجعلك تاني..

كانت تنوي الخروج والبحث عن لبيبة التي اختفت عن الأنظار لكن وهي تعدل من وضع الوسادة خلف يعقوب اصتدمت يدها ببعض الأوراق ... سحبتها بتعجب وهي تتسائل:-
- أيه ده يا يعقوب!!

أخذه يعقوب يتفحص الأوراق فحدّق به بأعين شاخصة وامتقع وجهه بالألم ثم سحب هاتفه يتفحص شيئًا ما .. وكما توقع...

استفهمت رِفقة بقلق وهي ترى تعابير وجهه التي تتراوح بين الحزن والدهشة:-
- أيه إللي حصل يا يعقوب، أيه ده!!

قال بشرود:-
- لبيبة بدران.. نقلت كل أملاكها وإدارة الشركات ليا وبعضها ليامن ولأبويا..
وهي إللي متكفلة بالعملية بتاعتك لأن الفلوس رجعت لحسابي وفي رسالة من البنك ومن الدكتور بتأكد كدا...
غير ملكية المطاعم الخاصة بيا إللي بعتهم نقلتهم ليا..
هي ليه عملت كدا..!!

لم تكن تلك الأخبار أن تُسعد رِفقة بل إنها أفعمتها بالحزن...
هذا له نتيجة واحدة ....لقد رحلت..

رفت عيناها بدمعة سرعان ما محقتها قبل أن يلحظ يعقوب، ترددت إبتسامة شاحبة على محياها وقالت وهي تستقيم:-
- هخرج ورجعالك عالطول..

قال لها قبل خروجها:-
- ناديلي أبويا ويامن وإنت خارجة يا رِفقة لو سمحتي..

حركت رأسها بإيجاب وخرجت مخبره حسين ويامن..
والتقت بوالدها ووالدتها التي سحبتها وهي ترمقها بجهل وغموض وهي تتسائل بينما تسحبها لمكان بعيدًا عن الأنظار بالشرفة:-
- في أيه يا رِفقة .. أنا متلغبة أووي يا بنتي، يعني إنتِ اتجوزتي يعني كدا خلاص..!!

اقترب منها والدها وكوّب وجهها بحنان ثم طبع قُبلة حانية فوق رأسها وقال بحماية وجدية:-
- مبقتيش مُجبرة تستمري في الجوازة دي يا رِفقة، كتر خير يعقوب وهو عمل إللي محدش عمله وحماكِ، كدا كدا سبب الجوازة كان إتفاق وبس وعمل خير هو عمله..
لكن دلوقتي أبوكِ رجع والمرة دي واقف زي الدرع قدامك هيحميكِ من الهوا الطاير..
طالما مش بتحبي يعقوب مفيش داعي تكملي في الجوازة دي أبدًا..!

في هذا الأثناء بعدما أعطى يعقوب لوالده وشقيقة أوراق لبيبة شعر بالإختناق والملل فخرج بهدوء من الغرفة حيث الممر يبحث عن رِفقة فحقًا لا يطيق الجلوس بدونها...
لاحظها تقف في الشرفة فاقترب بهدوء مبتسمًا لكنه تخشب بصدمة وهو يستمع لحديث والد رِفقة الذي جعل الرعب يجثم على قلبه من هذه الفكرة...
هل قلب رِفقة بعد هذا لم بنبض باسمه، لا لا لقد استمع لها ... وجميع تصرفاتها تشير إلى أنها لا تبقى معه لأجل أن هذا هو الواقع فقط، بل لأنها تعشقه كما يعشقها تمامًا..!!
هل عودة والديها سيجعلها تفكر أن مهمته هكذا انتهت وستتركه لأجل المكوث معهم والإرتواء من حنانهم بعد هذا الفراق!!
ماذا سيفعل هو في هذه الحالة!!

لكن أثلج قلبه إجابة رِفقة التي أنهت جميع الشكوك...

ابتسمت رِفقة وقالت تُطمئنه وهي تربت على كفيّ والدها:-
- إنت فهمت الموضوع غلط يا بابا..
أيوا في البداية أنا اتجوزت يعقوب علشان هو ده الحل الوحيد وعلشان يحميني، بس بردوه أنا مكونتش اتجوزته كدا وخلاص، أنا صليت استخارة وأخدت وقتي في التفكير...
كمان يعقوب لما اتجوزني مش اتجوزني علشان عمل خير ولا الكلام ده، اتجوزني علشان بيعشق رِفقة وعلشان عايز رِفقة نفسها وهو إللي دور عليا ولولا هو بعد ربنا سبحانه وتعالى كنت ضعت ومكانش حد عرف يوصلي...
ربنا أنقذني عن طريقه وبعته ليا تعويض عن كل الأيام إللي شوفتها وهدية صبري...
وفي نقطة كمان لازم تعرفوها علشان قلوبكم تطمن لأن مقدرة خوفكم وقلقكم..
دلوقتي جوازي من يعقوب معدش هو الحلّ الوحيد ولا مجرد إنقاذ...
أنا كل خلية جوايا بتعشق يعقوب، بحبه يا بابا بقلبي وعقلي وكياني وروحي ومقدرش أبعد عنه دقيقة، وهو كان في الغيبوبة أنا كنت بموت في اليوم مليون مرة بس كنت واثقة إن ربنا هينقذه علشان الخير إللي هو عمله في حياته وعلشان قلبه إللي مفيش منه...

تبسم وجه والدها واطمئن قلبه وجذبها لأحضانه قائلًا بحنان:-
- متعرفيش ريحتي قلبي قد أيه يا صغنن، وفرحتيني قد أيه..
إنتِ متعرفيش أنا إللي فرحان بيعقوب قد أيه، برجولته وحبه لكِ وخوفه عليكِ، بس أنا أهم حاجة عندي سعادتك وإن متكونيش مجبرة على حاجة يا حبيبتي...

أمّا يعقوب فقد تنفس براحة وشعر بروحه تُحلق في سماء السعادة التي لا مثيل لها...
اقترب يدلف للشرفة وهو يتحمحم بخشونة لتهرع إليه رِفقة بخوف قائلة:-
- أوب إنت كويس .. فيك حاجة..!!

رفع كفها يُقبله بحنان وقال:-
- إهدي أنا كويس يا أرنوبي...

طالعتها والدتها بسعادة وقد غمرت الراحة قلبها، بينما هتف يعقوب:-
- كنت بدور على عمي يحيى .. عايز اتكلم معاه شوية..

وأكمل يقول:-
- طبعًا الحمد لله على سلامتكم، فرحتي برجوعكم كبيرة، وبما إنكم موجودين فمينفعش نتخطى الأصول...
مقدرش أحرمكم من فرحتكم ببنتكم كأي أب وأم وأنا مقدرش أحرم رِفقة من حقها ده...
إنتوا هتكونوا في الشقة إللي كنا قاعدين فيها وبنتكم معاكم ... وأنا هاجي أطلبها على سنة الله ورسوله وحقك يا أبو العروسة تتشرط بقلب جامد علشان أنا هنفذ كل شروطك من غير ولا نقص...
ونحدد معاد للزفاف ونعمل حفلة زفاف زي ما رِفقة بتتمناها بالظبط...

تمعنت رِفقة في وجهه الجذاب وعينيه التي ملأها بريق الحياة، تتمعنه بعشق خالص وامتنان وتقدير .... لم يخذلها يومًا ولم يخفق في جعلها تندهش...
بينما والدها فكان ردة فعله أن جذب يعقوب في عناقٍ ممتن شاكرًا سعيدًا بهذا الرجل الحق..

أردفت نرجس بسعادة:-
- روح ربنا يجبر بخاطرك ويرضى عنك ويراضيك يا ابني..

ابتسم لهم بوقار وقال بتقدير:-
- إنتوا متعرفتوش على أهلي كويس .. اتفضلوا أعرفكم عليهم...

وسار بصحبتهم ليغمز لرِفقة بعبث لتبستم هي بخجل...

وقفت تنظر للسماء متنفسة بعمق وهمست بسكينة:-
- اللهم لك الحمد يارب ... شكرًا يارب على كل شيء ... عطيتنا فوق دعواتي يارب بكتير وعوضتي وعوضك ملهوش أي مثيل..
وتشاء أنتَ من البشائر قطرة، ويشاء ربّك أن يُغيثك بالمطر..

وهسمت تُحدث نفسها:-
- باقي دلوقتي أشوف تيتا لبيبة فين، ليه اختفت كدا ...أكيد زعلت من ردة فعل يعقوب..
يارب الهمني وساعدني واجمعنا بيها..

وجاءت تستدير للخروج والبحث عنها لكنها تفاجأت بوجود حقيبتها بأحد زوايا الشرفة، تعجبت رِفقة واقتربت منها وهي تلمح دفتر قديم أصفر اللون أثار فضولها..

- يا ترى ليه شنطتها موجودة هنا بإهمال كدا!!

ورغمًا عنها قادها فضولها وامتدت يدها بتردد تسحبه، تحسست بدهشة ثم فتحته بفصول لتقرأ أولى السطور التي ألهبت مشاعرها وفضولها...
(أوجاع بكماء صماء لا حدّ لشرورها ولا سبيل لتسكينها)

وأخذت تُقلب في الصفحات بوجه معقود ليعلو صدرها ويهبط بفزع مع كل كلمة تقرأها واقتحم الحزن قلبها بضراوة واحترقت روحها كمدًا، وهذه الكلمات والأحداث تتجسد أمامها على الأوراق وكأنها تراها رؤيا العين..
اهتاجت الدموع بمقلتي رِفقة وتساقطت على الأوراق وهي تنتحب ببكاء واضعة كفها فوق فمها ونبض قلبها يعلو بتوتر مع وقع الأحداث لتهمس برجاء وكأنها تريد توقيف ما يحدث وحمايتها:-
- لا .. لا كفاية كدا .. حرام عليكم .. ليه كدا...

وهنا تعود كاميرا الأحداث للخلف وتتجاوز سنواتٍ عديدة حيث زمان ما تقرأه رِفقة....

فتاة في العشرين من عمرها مفعمة بالنشاط رغم ما بها إلا أن الإبتسامة لا تتوارى عن وجهها الوضاح، لا تسمع الأصوات ولا تتحدث لكنها ترى الألوان والجمال والطبيعة والفراشات والطيور وهذا يكفيها...
اقترب والدها صاحب الوجه البشوش الدافئ منها ثم انحنى يُقبل رأسها بحنان وجلس بجانبها، احتضنته بتعلق وحب شديد ليأخذ هو القلم والموضوع بجانب الدفتر اللذان دائمًا أمامها وبحوزتها....

وكتب يتسائل:-
- "بيبا حبيبة بابا إنتِ عاملة أيه وأخبارك في الجامعة أيه ... وبلال شخص كويس وبيعرف يتواصل معاكِ ومسهل عليكِ التعامل في الكلية."

كتبت هي والسعادة تنضح من ملامحها الرقيقة:-
- "أنا كويسة جدًا جدًا يا يعقوب باشا، الجامعة جميلة جدًا جدًا لدرجة إن ندمت إن أخرتها سنتين وحبست نفسي ومخرجتش للعالم ده...
بلال شخص جميل جدًا وطيب ومحترم أووي وكمان شاطر جدًا في لغة الإشارة وبفضله بقيت شخص إجتماعي ومش بقى عندي أي مشكلة إن أتعامل مع أصحابي أو إن أفهم الدكتور...
من خلاله كأني بتكلم واسمع الأصوات وافهم إللي بيدور حوليا، ومرافقني في كل مكان زي ضلي زي ما إنت أمرت..
كمان صاحبت بنات طيبة أووي، شادية وإعتماد ودُرية...
ودايمًا بلال قاعد معايا وبيترجم ليا كل كلمة وكمان هو صاحب شاب اسمه مُنير ويبقى خطيب دُرية...
عايزه أقولك إنهم بيحبوني أووي يا بابا ومهربوش مني لما عرفوا إن بنت يعقوب بدران رجل الأعمال إللي أشهر من النار على العلم..
كل البنات كانت مش بتحب تقربلي خايفين إن ممكن أبقى متكبرة ومغروره والكلام ده وإن ممكن أبويا يبقى راجل شرير بأنياب الغول.."

وضحكت بمرح ليشاركها والدها وهو يحمد لله بداخله أنها أخيرًا خرجت من قوقعتها التي انحسرت فيها بعدما أُصيبت بالصمم والبكم المفاجئ نتيجة صدمتها بوفاة والدتها وجدها في حادث سير أليم ... وكانت لبيبة متعلقة بهم تعلق شديد لتدخل في إنهيارات عصبية وصدمة شديدة أفقدتها النطق وتبعه السمع فجأة والذي لم يتوصل أحد من الأطباء إلى السبب العضوي إلى الآن...
لكنه مستعد لفعل المستحيل لأجل ابنته الوحيدة التي هي أحب إليه وأغلى من روحه..

كتب لها:-
- "هنسافر برا علشان تتعالج وبوعدك يا بيبا إنك هترجعي أحسن من الأول كمان، أبوكِ في ضهرك ومش هيسيبك أبدًا، هعمل المستحيل علشان ترجعي تسمعيني تاني وأرجع أسمع صوتك إللي وحشني، مستعد أعمل علشانك أي حاجة.."

انغمست في أحضانه الدافئة، تحمد ربها على نعمة وجود والدها الحنون... بطلها الخارق..
يطمئنها أن والدها مستقيم النفس حسن الخُلق متواضع ولا يُقدس هذا المصطلح الذي يُسمى الفوارق الإجتماعية رغم سمعته ونجاحه في أعماله وثروته الطائلة إلا أنه كان رجلٌ كريم سخيّ النفس يجود بالكثير ولا يترك محتاجًا ويُغدق الفقراء بالكثير..
والدها رجل مميز اجتمعت فيه الكثير من الفضائل..
تفخر بأخلاقه ومبادئه وليس بثروته وأملاكه...

كانت تخبره بكل شيء بحياتها صغيرة وكبيرة لم تخفي عنه أي شيء فقد كان صديقها قبل كونه والدها وكانت هي لديه مقدمة على جميع أولوياته حتى مُقدمة عن نفسه ذاتها...
إلا أن لبيبة لم تخبره بمشاعرها التي تكنها لبلال ولا بشاعر بلال تجاهها..
بلال الذي يغدقها بالحب والحنان الذي صدّقه وآمن به قلب لبيبة الطاهر...

كتبت له تخبره بسعادة:-
- "في رحلة الجامعة مطلعها وكل زمايلي وأصاحبي هيروحوا، بلال قالي هو وشادية عليها، نفسي أووي أووي أروح يا بابا."

لم يستطع أمام السعادة المرتسمة على وجهها أن يقف حائلًا أمامها وفكر أنها أيضًا فرصة جيدة للترويح عن نفسها...
لا يعلم ولا تعلم لبيبة أن هذه الرحلة هي التي ستُنجب لبيبة أخرى لم تتعرف إلى نفسها حتى اليوم، سيتجمد القلب وستتلبد المشاعر وستُنحت ندوب عجز الزمن على محوها، ستُنجب قلب متكبر أمام كل المشاعر الإنسانية وأمام الضعف والأهم الحُب..

ومرت الأيام وأتى يوم الرحلة...
استعدت وجهزت حقيبتها وأخذ والدها يُضيف لها الشطائر والعصائر وودعته بوجه مشرق والإبتسامة تكاد أن تسقط من فوق ثغرها...

أتى بلال ومُنير بصحبة شادية واعتماد ودُرية بأحد السيارت وعندما تعجبت وسألت بلال بطريقتها لماذا لا يذهبون بالحافلة الخاصة بالجامعة أخبرها أنها ستكون مزدحمة وستجلب لهم الإختناق...
كان هناك نزعة قلق وخوف بداخلها لكنها اسكنتها وهي تهمس لنفسها من الداخل أن بلال متواجد وهؤلاء أصدقاءها الأوفياء...

وأثناء الطريق بينما كانت تجلس في الخلف بجانب الفتيات، قال مُنير بسعادة وخبث:-
- الواحد مش مصدق يا عم بلال إن الخطة أخيرًا نجحت، أنا مش مصدق إن يعقوب بدران ساب بنته الوحيدة كدا ووثق فيك الثقة دي كلها...
ولا هي الغبية ساذجة بشكل...

ضحك بلال وهو يقول بانتصار:-
- ما أنا قولتلك رغم إن هو يعقوب بدران بس راجل طيب بشكل وعنده حسن نية فظيعة..
ومستعد يعمل أي حاجة علشان بنته الوحيدة، حتى لو هيدفع الملايين وإحنا لعبناها صح..
دا كفاية إن قعدت أتعلم لغة الإشارة قد أيه يا عم علشان أظبط اللعبة...
وأنا قدرت أسيطر عليها وأوهمها إن بحبها بشوية حنية وأخلاق ومبادئ والشغل الحمضان ده والحمد لله إنها لا بتسمع ولا بتتكلم..

قال منير بينما الفتيات تبتسم بالخلف بسعادة لنجاح ما سعوا إليه بينما لبيبة فكانت تجلس في المنتصف تجهل ما يدور حولها، تراهم يبتسمون فتبتسم ظنًا منها أنهم يبتسمون بوجهها، لم يراودها ذرة شك واحدة فهؤلاء هم الأمان فكيف يتوخى الشخص الحذر من مأمنه...!!!

- يا عم بلال البت دي عندها ملايين، وبسببها هنطلع لفوق أووي ونتسلى عليها شوية...
طب احلف إنك ماستمتعتش بالتمثلية دي...

كانت تنظر لهم وهم يتحدثون بشكل طبيعي لكن كان كل شيء بالنسبة لها مُبهم، أخذ بلال في الضحك وهتف باستمتاع وقلبه قد طُمس عليه بسبب جشعه، قلبه الذي مُحقت منه الرحمة والإنسانية والخوف من الله عز وجل:-
- وأي متعة يا مُنير، دا أنا كل ما أشوفها وهي مصدقنا وطالعة بينا السما السابعة عند أبوها ببقى ماسك نفسي عن الضحك بالعافية...
بت دلوعة وعايشة عيشة مش من حقها، هي فلوس أبوها دي كلها هتعمل أيه بيها واحدة خارسة وطارشة زي دي، خلينا إحنا نستفيد...

نظر مُنير نحو دُرية في المرآة وصاح بمرح:-
- وهنتمرمخ في الفلوس يا دودي، وهنعيش بقاا ونقب على وش الدنيا...
مخسرناش ألا فلوس العربية إللي إحنا مأجرينها دي...

أخذت دُرية تضحك بسعادة، لتبستم لها لبيبة لأجلها ولأجل السعادة المرتسمة على وجوههم...

وظل بهم الحال على هذا النحو حتى أخرجت إعتماد زجاجات صغيرة من العصير وأخذت تُعطي للجميع ومدت يدها بزجاجة عصير لبيبة المفضل لها، أخذته منها بإمتنان بكل ثقة وهي تحرك رأسها تشكرها مبتسمة لها...

وفور أن انتهت لبيبة من إرتشاف زجاجتها حتى مال رأسها واحتضنها الظلام...

بعد مرور عدة ساعات، تملمت من نومتها الغير مريحة وظلت تكرر فتح أعينها وإغلاقها حتى اتضحت الرؤية أمامها، فزعت معتدلة لتجد أقدامها مقيدة وكذلك يديها...
هلع قلبها وهي تدور بأعينها في هذا المكان الخالي المهجور والذي يحاوطه الظلام إلا من هذه الإضاءة المنبعثة من كشفات السيارة الأمامية..
ظلت تتململ ويخرج منها همهمات غير مفهومة في محاولة منها لنداء بلال وأصدقاءها..
وفور أن وقعت أعينها عليهم يجلسون فوق الحجارة المتفرقة وحقيبتها موضوعة أمامهم يتناولون الطعام الذي صنعه لها والدها ووضعه لها اطمئن قلبها للوهلة الأولى وهي تُشير برأسها لهم أن يأتوا ويخلصونها من هذا...

اقترب منها الفتيات وهم يضحكون بسعادة لتتوسع أعينها بصدمة وهم ينزعون حجابها بعنف ويدفعونها أرضًا بقوة ألامتها بينما يقولون من بين ضحكاتهم والتي لم تفهم لبيبة منها شيء:-
- وأخيرًا واقعة على الأرض تحت رجلينا...
لا لبيبة بدران ولا قطران إللي الجامعة دوشانه بيها...
يجوا يشوفها دلوقتي وهي زي الحشرة تحت رجلينا..

جذبتها شادية من شعرها وهي تقول بشماتة:-
- إللي عامل لكِ اسم هي فلوس أبوكِ الكتير أووي، إحنا قولنا نستفيد منك بدل ما إنتِ ملكيش لازمة كدا...

أتت دُرية مقهقهة وهتفت:-
- أي يا بنات هو إنتوا ناسيين إنها خارسة وطارشة...

انفجر الجميع بالضحك أمّا هي فكانت توزع أنظارها بينهم وقد تجمد الدمع بأعينها، تشعر أنها بإحدى الكوابيس أو أنها تقرأ رواية تتحدث عن الغدر...

استقام بلال ثم اقترب منها وأنظارها المستغيثة متعلقة به، هذا الذي أتت به كي لا تضل...
جلس على أعقابه أمامها، ظل ينظر لوجهها المرتفع نحوه ثم ضحك بانتصار تذوقه أخيرًا...
كانوا يحاوطنها بينما هي ملقاة أرضًا وقد عمى الحقد والغيرة والطمع أعينهم...

وتعلقت أعينها التي جمدت بها الدموع ببلال الذي يرمقها بكره شديد وحقد تتسائل أين ذهب العشق والحنان الذي كان يتغنى به، هل لهذه الأعين التي بنبثق منها حقد لا مثيل له أن تكون نفسها التي ترمقها بالحنان!!!!
رمته بنظرة حركت سواكنه وجعلته يشعر بمدى مهانته وحقارته وصغره، نظرة كانت كفيلة بإحراقه والتي نشبت بسببها الحرائق بداخله، صرخ بغضب وهو يهبط بكفه القاسٍ على وجهها بقسوة وفقد أعصابه وهو ينهال على وجهها بالصفعات..
وجهها الذي كان يخشى عليه والدها من النسمات الشديدة بعض الشيء، وجهها الذي يُغمر دائمًا بالقُبلات الحنونة، الآن يتذوق القسوة للمرة الأولى...
وعلى يد مَنْ.!!!
مَن أتى بها للذئاب لتلتهمها وكان هو زعيم القطيع..

كان يصرخ صراخ شق سكون الليل:-
- متبصليش كدا .... بلاش النظرة دي أنا مبحبهاش، متعمليش نفسك البريئة الطاهرة النقية ....أنا مش حقير يا بت ولا مليش قيمة..

سحبه منير وهو يقول بفزع:-
-هتموت في إيدك يا بلال ... دا إحنا نروح في ستين داهية ... دي بنت يعقوب بدران الوحيدة..

ابتسم بشرّ وقال:-
- علشان كدا مش لازم يفوتها كرم الضيافة، أنا عارف إن أكتر حاجة بيبا بتحبها هي الضلمة علشان كدا جهزتلها أوضة في فندق خمس نجوم..

وانحنى يسحبها لتظل هي تقاوم بكل عزمها وتهمهم بشدة في محاولة لإخراج صوتها لكن لا فائدة..
كان يسحبها نحو بئر مهجور مظلم وهي تحاول تثبيت قدميها في الأرض لكن كانت قواه أعظم منها وأشار للفتيات لتأتي إعتماد تضع قطعة من القماش فوق أعينها تحجب بها الرؤية ظلت لبيبة تحرك رأسها برفض لكن أمسك رأسها يثبتها بقسوة هذا المجرم بلال لتبتلع قطعة القماش دموعها الحارقة...
وأنزلها يلقيها بالبئر المظلم ليصيبها الهلع وأخذت تهمهم وهي تتحرك بجنون وهي مقيدة الأيدي والاقدام .. فهي أكثر ما كانت تخافه وتهابه هو الظلام...

ظلت تنتفض برعب وتتحرك بجنون وقد ارتفعت صوت همهماتها العاجزة...

بينما بلال فقد زفر بضيق وقال لمُنير:-
- أيه الأخبار .. رنيت لقيتهم حطوا الفلوس في مكانها...

ردد مُنير بفرحة:-
- كلمته من التلفون العمومي القريب من المنطقة وواضح إن هو عرف بإختفاءها، لما هي اتأخرت كلم رئيس الجامعة وعميد الكلية وقالولوا مفيش أي رحلة خرجت من الجامعة..
وقولتله لما نستلم الفلوس ومن غير غدر هنعرفك مكان بنتك وإلا مش هتعرف مكانها ولو وقفت على منابت شعرك مش هتقدر توصلها، والتأخير مش في مصلحة بنتك خالص، لأن حياتها في خطر ... وما سمعتش بقاا يعقوب بدران بجلالة قدره وهو بيترجاني...

أيده بلال قائلًا:-
- أنا قولتلك إن هي نقطة ضعفه الوحيدة وعلشانها يعمل أي حاجة...
المهم حط الشنطة في المكان..

- أيوا حطها في المكان إللي حددته ولما نستلمها هنبلغه بمكان بنته...

- طب يلا بينا من هنا...

ورحلوا ولم يداعب قلبهم المتجبر المتحجر نسيم من الضمير أو من الرحمة..

"اشتركوا على قناتنا على تليجرام أو قناة واتساب ليصلكم أحدث الفصول والتنبيهات فور نشرها"

واتسابتليجرام
Raghad Ali
Raghad Ali
تعليقات