رواية والتقينا الفصل التاسع 9 | روايات ندي ممدوح

رواية والتقينا الفصل التاسع من روايات ندي ممدوح . والتى تندرج تحت تصنيف روايات رومانسية مصرية ، تعد الرواية  واحدة من اجمل الروايات رومانسية  والتى نالت اعجاب القراء على الموقع ، لـ قراءة احداث رواية والتقينا كاملة بقلم ندي ممدوح من خلال اللينك السابق ، أو تنزيل رواية والتقينا pdf كاملة  من خلال موقعنا .


رواية والتقينا الفصل 9 | روايات ندي ممدوح



رواية والتقينا الفصل 9

9_أيحبني؟

فهل ترحم الأيام، أو تهدأ المنى؟
أبَى حبها إلا شقاءً يُدمر.
( محمود شاكر)

انطلق بلال بسيارته زائغ النظرات، واجم الملامح، شارد القلب، لم يكن يدرِ أيُّ السُّبلِ يسلك، أي دربٍ مفضي إليها؟!
وهَمَّ بِأفتعال حادث كاد يودي بحياته في غمرة شروده، وصوتها..
صوتها الهاديء الرقيق الذي للتو كان يعترف له بحبه على الملأ، وتلك الكلمة بالذات تتردد في داخله بلى هوادة.
وصورتها الرائعة التي كانت عليها الآئي لا تبرح مخيلته بل لقد احتلت السويداء من قلبه، ضاقت به الدنيا بما رحبت، فركن سيارته على جانب الطريق، وعقد ذراعيه على عجلة القيادة ودسّ بينهما رأسه، مرت لحظات وهو على حالته تلك، حتى رفع رأسه قابضًا بكفيه على عجلة القيادة..
يريد أن يراها..
أن يطمئن عليها..
أن يعرف عنها أيُّ شيء..
لكن كيف؟!
كيف يعلم بأي مستشفى هي الآن؟!
أنَّى يصل إليها؟
تنهد وهو يفتح باب سيارته مدليًا يمناه، وتسمر على هذه الحالة الغريبة.. مترددًا ما الذي يبغيه؟! هو لا يدري، أين يبغي الذهاب لا يعلم؟!
وفي نهاية المطاف لامست قدمه الأرض وخرج صافقًا الباب وراءه، وأخذ يسير دون وجهة محددة.
توقف على كورنيش النيل يتأمل مياهه، ما أشبه قلبه الآن بسفينة تسبح على صفحة الماء وقد ضلت الطريق، وتاهت في عرض البحر! ولا سبيلُ للنجاة .. والغرق حتمي.
وهو قد غرق..
غرق في حبها..
أسرع بغتة مخرجًا هاتفه من جيب بنطاله، وأخذ يتصفح الأخبار التي لم تخيب ظنه وقد انتشرت كالنار في الهشيم، رغبة ملحة جعلته يأتي بصفحتها التي تفاجئ إنها خالية من جُل صورها القديمة والفديوهات التي كان بعضها مشاهد من تمثيلها والآخر مع معجبيها، حُذف كل شيء.
كأنها كانت على دراية إنها على موعد مع ملك الموت، فأبت ألا تموت وهي ماحية كل آثامها لِتترك وصمة طيبة وأثرًا لا يموت.
فما المرء إلا ذكرى قد يسحقها النسيان، أو أثرٌ يُخلد في القلوب.
ألتهمت عيناه كل التعليقات على المنشور الوحيد على صفحتها والذي كان مضمونه إنها في حالة حرجة وبحاجة إلى الدعاء، وقد انهالت عليه التعليقات هيلًا عظيمًا من جمهورها ومعجبيها، وعلم أخيرًا مكان المستشفى، فأغلق هاتفه وركض إلى حيثُ سيارته وولجها.
لم يكد يمسك عجلة القيادة، وإذ بهاتفه يرن معلنًا عن اتصالًا من أميرة، فأسرع يجيب قائلًا:
_ايوا يا أميرة، في حاجة ماما كويسة؟!
نطق كلماته على عجلٍ جعلتها تغمغم:
_على مهلك أنت في حد بيجري وراك؟ ماما كويسة وعايزة تروح لسهير، هتيجي تودينا؟!
أجابها بذات السرعة وهو ينطلق بالسيارة :
_لا لا مش فاضي، خلي سعيد يوصلكم ويجبكم، مع السلامة.
تفآجئت أميرة بأغلاقه للخط دون أن يسمع ردها فهزت منكبيها في حيرة..
(ها، جاي يا بنتي)
تساءلت عايدة والدة بلال في اهتمام، فازدردت أميرة لعابها في صعوبة، وغمغمت في قلق:
_مش عارفه مكنش طبيعي..
فعبس وجه عايدة وهي تسألها:
_مين اللي مش طبيعي؟
استدركت اميرة قائلة في سرعة:
_ولا حاجة أنتِ هتاخدي على كلامي يا خالتوا ما انتِ عارفة إني بهتش كده مع نفسي، بلال قال إنه مش فاضي، هشوف سعيد.
استقبلتهما سهير بفرحة عارمة، والتقطتت يدين أُمها توسعهما تقبيلًا وهي تغمغم في لهفة:
_وحشتيني اوي يا ماما.
وضمتها بعينين فاضتا دمعًا، متابعة:
_عاملة إيه طمنيني عنك، بتاكلي وتشربي حلو؟
ربتت أُمِّها على ظهرها، وقالت بنبرة مفعمة بحزن الفراق:
_كويسة يا حبيبتي الحمد لله أنتِ عاملة ايه مع جوزك وبيتك؟ كله تمام؟
غمغمت أميرة وهي تعبر إلى داخل الشقة:
_ياختي قولوا اتفضلوا الأول وقعدينا.
التقطتت سهير كف أمها وضمت ظهرها بذراعها الآخر وهي تقودها للداخل في حنان قائلة:
_اتفضلوا اتفضلوا تعالوا.. ادخلي يا أميرة؟
ما كادوا أن يجلسوا، حتى مالت أميرة على أذن سهير، تسألها:
_هو جوزك مفيش ولا ايه؟
هتفت سهير وهي تهم بالنهوض:
_لا جوة.. دقيقة وجاية.
دلفت إلى المطبخ لِتُعد مشروبًا لهما، ففاجأها زوجها وهو يهتف من وراءها ويلتقط من كفها زُجاجة المشروب التي كانت تصب منها في الكؤوس:
_استني هنا أنتِ بتعملي إيه؟
دُهشت سهير من صنيعه، فهتفت في ذهول:
_أنت اللي بتعمل إيه؟
مدت كفها لتجذب منه الزجاجة إلا أنه رفعها عاليًا بعيدًا عن يدها، قائلًا في صرامة:
_بس بس يا ماما أنتِ بتعملي إيه؟
خفتت سهير صوتها كلا يصل لمسامع من بالخارج، وهي تقول بهمس حاد:
_أنت اتجنيت يا عماد؟ هات العصير عشان اطلع لماما وأميرة.
فقبض على مرفقها بقوة ألمتها، مع همسه بصوتٍ غليظ:
_عصير إيه اللي تطلعيه ليهم يشربوه هو أنا جايبه ليهم، بطلي إفترى.
صكت سهير على أسنانها غيظًا وهي تفلت ذراعها منه قسرًا، صائحة:
_سيب دراعي يا عماد..
وأضافت وهي تدلك مكان قبضته في ألم:
_وبعدين عصير إيه اللي أنت جايبه، التلاجة دي مليانة من خير بلال وأمي، أنت جبت إيه؟
أطل غضبٍ هائل من عين عماد، وهو يجذبها إليه، قائلًا بلهجة مقيتة:
_خير مين يا حبيبتي؟ بلال؟ وهو بلال عامل كل ده عشان سواد عيوني يعني ولا عامله عشان أخته اللي ما صدق يجوزها؟! هاا اخته البايرة اللي مكنش حد بيبص عليها!
تسمرت كل جوارح سهير مع إهانته لها، وخُيل إليها إن قلبها أنصت لقوله في انتباه، ثم اندفع يخفُق بخفقات سريعة متلاحقة جدًا مزقتها إربًا، لم يمر الكثير على زواجها فتهان بهذا الشكل؟!
خفف أخيها من كل العوائق التي قد تكون عائق في طريقه فيكون هذا الجزاء بدل الشكر والإمتنان، لقد ظنوا إنهم اشتروا زوجًا سيصون لكنه لم يعرف قيمة ان يرزق بزوجة يكون أهلها ممن يقللون ويسهلون في متطلبات الزواج دون تعصب، لكن في هذا الزمان إن فعلت خيرًا لأحد سيرده شرًا.
كان يجب على أخيها أن يطلب كما يطلب الآباء، ويشترط كما يفعلون، ويطلبون كل ما هو غالي.
ترقرق الدمع في عينيها، وأُرتج عليها فحدقت فيه صامتة، ثم استدرك هو قائلًا:
_هطلع اسلم على أمك، لتقول إني مسلمتش ولا رحبت.
وخرج تاركًا إياها تُشيعه بنظراتٍ ذبيحة، نزعها من شرودها صوت أميرة وهي تدخل متمتمة:
_سهير، أنا جوزك ده مش بطيقة صراحةً..
ثم هتفت في لهفة وهي تسرع الخطى إليها:
_بت، أنتِ بتعيطي؟
استدارت سهير وتصنعت التلهي في غسل الكؤوس، وهي تقول بنبرة جاهدة كي تُكسيها بالمرح:
_هعيط إيه بس يا بنتي ما أنا زي الفل.
غمغمت أميرة وهي تغلق صنبور المياه بثقة:
_لَا، لَا مش عليَّ ده يا سهير.
وأضافت في لهفة، وهي تديرها إليها:
_مالك بس يا سهير، هو جوزك ضايقك؟ أنتِ مرتاحة طيب؟
ألتمعت العبرات في مقلتاي سهير، لكنها رفعت عينيها وسألت في اهتمام حقيقي:
_شفتِ إسراء؟ أنا قلقانة عليها أوي؟! اللي حصل لها ده حصل إزاي؟ إزاي يحصل كده في موقع تصوير، انا مش قادرة استوعب؟!
بدت اميرة إنها لم تفهم شيئًا منا تعني، فسألتها مضيقة عينيها:
_إسراء مين قصدك؟ إسراء اللي هي إسراء الممثلة.
هتفت سهير في لهفة:
_ايوا يا بنتي وهو في غيرها يعني؟!
_إيه اللي حصل؟
_أنتِ مسمعتيش البرنامج؟
_لا، مكنتش فاضية افتح التلفزيون اصلًا.
تنهدت سهير بثقل، وبحزنٍ دفين قالت:
_والله يا بختك إنك مشفتهاش.
غمغمت اميرة في فضول:
_إيه اللي حصل؟
قصت عليها سهير ما حدث بالتفصيل عن تغير إسراء وكلماتها و.. وحبها لأخيها، وإنهاء البرنامج على أغماءها والدم يغرق فستانها، فشهقت أميرة في وجل، وقالت:
_يا ربي يعني مين يقدر يعمل كده، بلال لازم يعرف؟!
نفت سهير برأسها:
_لأ طبعًا، هيعمل إيه حتى لو عرف هيطنش، هو اصلًا مكنش عايزها في البيت.
تبرمت أميرة، وقالت بفمٍ ملتويًا:
_مين اللي مكنش عايزها ده؟! دا هو لو يقدر كان هو اللي طلب منها تفضل، اخوكِ واقع في حبها على الآخر اصلًا..
واتبعت ساخرة وقد برزت بسمة هازئة على زاوية فمها:
_قال مكنش عايزها قال، اتنيلي.
حملقت سهير فيها وهي تغمغم في صدمة:
_بيحبها، بلال بيحب إسراء؟! هو صحيح مين اللي وصلكم مش بلال؟
أجابتها أميرة وهي تهز كتفيها:
_بلال قال مشغول، وصلنا سعيد.
تحاشت سهير النظر إليها، ثم سألتها:
_امال مطلعش ليه؟
_قال هيستنانا تحت افضل.
_عيب عليه كده والله، لما اشوفه.
ثم تسألت بحزن يمزق نياط قلبها:
_أنا قلقانة على إسراء اوي، يااه يا اميرة لو تشوفيها في الخمار؟! كانت قمر اووي كأنه زادها جمال.
تبسَّمت أميرة وقالت في سرور:
_زادها الله من فضله، هي طيبة وتستاهل كل خير، وهتغير من نفسها البت دي ربنا بيحبها والله عشان هداها.
شردت عينا سهير لحظة، ثم قالت بنبرة شاردة ساهمة:
_بس يا ترى هيتكتب ليها عمر جديد؟
ونظرت إليها تقول في انفعال:
_أنا قلقانة عليها أوي.. وعايزة اطمن إنها بخير.

في ذات الوقت كان بلال يعدو في رواق المستشفى بعدما سأل عنها وعلم إنها في غرفة العمليات، وما كاد يصل حتى تخشبت قدماه وهو يشاهد رجلًا ذا حُلة أنيقة يزرع الطرقة جيئة وذهابًا، وفتاة أخرى تجلس وهي تحرك قدميها في توتر بالغ، والتقت عيناه بعينين والد إسراء الذي تابع سيره دون أن يعره أي انتباه، لكن بلال عرفه..
عرف من يكون..
رأى قلب الأب ينبض بن جنباته مواريًا جشع المال، وطمع ملاذته..
فأستدار وانصرف إلى كافتيريا مُلحقة بالمستشفى، وجلس طالبًا كوبًا من القهوة، وأخرج مصحف صغير كان يحتفظ به دائمًا معه، حتى إذ كان عليه انتظار أحد زبائنه اغتنم وقته في قراءة القرآن..
الآن هرع إلى ربه، لربه فقط فلمن غيره سيلجأ؟
آب إليه هذه المرة متضرعًا لاهجًا أن ينجيها الله سبحانه وتعالى وكله يقين إن الله لن يرد يدا عبده خائبتين أبدًا حاشاه..
كان يتمنى في أعماقه لو كان بجانبها، يحتضن كفها في راحته، يحمل عنها الألم، يضمها إلى صدره ويفديها بروحه وعمره...
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه..
لم يمر طويلًا على بقاؤه في الكافتيريا، وتناهى له إنها بحاجة إلى دم فهرع فورًا ليتبرع لها بكل دمه لو تبغي..
كان مستعدًا بصدق أن يفديها بنفسه ولا تصاب هي بخدش واحد..
كان يدرك أن جسدها الضعيف الضئيل لا يحتمل، وعندما تبرع بالدم، وبينما هو يخرج من الحجرة مُنزلًا كُم قميصه وجد ذات الفتاة التي كانت تجلس، والتي نظرت إليه في إمعان، ثم شكرته بكلمات مقتضبة ولجت إلى الداخل، وغادر هو المكان..
قضى اليوم كله في الانتظار لا يغادر المستشفى إلا عند الصلاة، حتى علم إنها في العناية، فذهب إلى الطبيب القائم بحالتها وطلب منه أن يرآه سرًا ولو من وراء حِجاب.
وتوقف خلف الواجهة، يتأملها بقلبٍ منفطر، وجهها كان شاحبًا ذابلًا فَرَّت منه الدماء هربًا، جفنيها مسبلين، على أنفها جهاز الأكسجين، وحادت حدقتيه إلى كفها الرقيق، المحاط بإحدى إصبعيه جهاز قياس القلب، وألتمع الدمع في عيناه..
مع ألم قاتل أحس إنه ينحر قلبه نحرًا ويذره ينزف..
كيف يقولون عن قلب فقد إحدى نبضاته إنه يحيا؟!
ألا تميته تلك النبضة؟!
تجعله يحيا في عذاب؟!
تسلبه أنفاسه؟!
وتحرمه من حياته؟!
تفجر الأسى في أعماقه، ألم يجد الموت سبيلًا إليها إلا وهي تعترف بتلك الكلمة السحرية التي قلبت كل كيانه ووجدانه؟!
آهٍ من القلب حين يهوى ويغرم فيغادر مكمنة محلقًا بأجنحة السعادة يرفرف مع من أحب، لكن قلبه هو يرفرف الآن فوق تلك التي بين يداي ربها عز وجل، على فراش المرض.
لم يبك، لم تنهمر عبارت حزنه، لكن قلبه قد فعل دون شك..
قال بلال وهو يحتوي وجهها الذابل بحنان عينيه الدافق:
_كوني بخير لأجلي.. لأجلي يا إسراء كوني بخير ليعود قلبي بخير.
ثم تنهد في عمق وأطرق لثوانٍ وعاد إلى منزله، لم يهون عليه ألا يطمئن على أمه وأخيه الصغير.
كان مشتتًا بين البقاء والعودة، ونعى قلبه الذي تركه لديها وذهب..
وظل كل يومٍ بين المستشفى وبيته حتى نُقلت إلى حجرة عادية تقضي فيها فترة النقاهة
ما كادت إسراء تستعيد كامل صحتها حتى علمت فضل ربها عليها..
لقد رزقها بعمرٍ جديد..
ووهبها أيامٍ لتستغفره عمَّا اقترفته من ذنوب، لكن هل لذنوبها من توبة؟!
لقد مثلت ورآها ملايين من الناس بملابس كاشفة، بلى.. لامست رجالًا كُثر كان كل محرم لديها طبيعي...
عادي أن تفعل اي شيء..
دون رقيب أو عتيد..
كل ما هو محذور مباح..
لم تكن تخشى الله لا في السر ولا العلانية..
هي لم تعرف ربها أبدًا..
وقد كانت تموت بكل تلك الذنوب التي كانت ستصليها نارًا ذات لهب..
الآن، لقد عرفت ربها، علمت إن ثَم ملائكة تدون ما تتفوه بها، وإن ربها مطلعٍ عليها، وإن الدنيا فانية مهما مضت بيها الأيام مآلها إلى الزوائل.. ومفارقة الحياة.. لقد علمت إن حساب ربها آتٍ، وإمَّا جنة أو نار.. وإن القبر حالك السواد وضمته لا ترحم كافر أو آثِم إلا المؤمن فإنها تكون له ضمة حنونة، كضمة الأم لأبنها الغائب ما أن يعود..
فالجنة تستحق..
كتب لها الله عمرًا جديد ستغتنمه، ستصلي، ستحفظ القرآن، وتجوده، وتتدبر آياته، ستنعم بتلك الجنة.. جنة الأرض..ستصوم ستتصدق، ستخشى الله في ملابسها، وأقوالها، وافعالها، وصلاتها، وقيامها.. ستتعلم العلوم الشرعية.
بل إنها ستكون من طلبة العلم..
ستتغير..
ستبدل من نفسها..
ستكون إنسانة آخرى وُلِدة من جديد..
كانت توًا تتيمم بسبب عدم مقدرتها على النهوض، وتأدي فرضها باكية العينين، منتحبة القلب.. تناجي الله ببكاءٍ حارق يمزق القلب بأن يغفر الله ويخفف عنها العذاب، وسكرات الموت إن واتتها..
الغريب إنها ما ان فاقت كانت كمن فقد ذاكرته، فلم تتذكر بلال لحظة واحدة، كإن الرصاصة قد نزعته من قلبها انتزاعًا أو إنه قوة الإيمان، وحلاوته.. وهي حيت الإيمان بكل مشاعرها فنست الدنيا كلها ونعمت بقرب ربها..
كانت تنكب على المصحف، تتلو آياته بصوتٍ باكٍ، عندما، دلفت ندى إليها والحيرة بادية على وجهها، فكفكفت أدمعها سريعًا وأغلقت المصحف وهي تسألها في صوتٍ واهي:
_ندى، مالك أنتِ كويسة، إيه اللي شاغل بالك؟
رفعت ندى عينين حائرتين إليها، وغمغمت في توتر:
_مش عارفه ملاحظة حاجة غريبة!
هتفت إسراء بكل اهتمام:
_إيه الحاجة الغريبة دي؟
أخذت ندى نفسًا عميقًا وقالت:
_في شاب غالبًا بيجي يوميًا يطمن عليكِ.
فزفرت إسراء بملل، واسندت رأسها إلى الوسادة وأرخت جفنيها، متمتمة:
_دا أكيد حد من المعجبين!
هزت ندى كتفيها، واكتفت بهذا الخاطِر الذي قالته إسراء، ونست الأمر.
وذات يومٍ كانت إسراء بمفردها في الغرفة عندما طُرق الباب، ثلاث طرقات، فسمحت للطارق بالدخول، وتعلقت عينيها على الباب، كانت تدرك إنها ليست إحدى الممرضات لأنهن يكتفين بطرقة بسيطة ثم يدلفن فورًا، وليس ندى لإنها لا تطرق الباب، وأكيد ليس والدها بالطبع وقد غادرها آنفًا.
فتعلق بصرها على الباب، وخفق قلبها وهي تراقب تلك اليد السمراء تدفعه برفق، ثم رأته..
نعم، كان بلال أمامها يدخل بخطوات بطيئة، مطرق الرأس مرتبك .. وخفق قلبها في جنون وهي تهتف متسعت العينين في ذهول:
_يا الله، بلال؟!
وفركت عينيها لتستوعب إنه هو حقًا، وتسلل صوته المغلف بالحنان يسألها من لدن الباب وهو لا يزل مطرق:
_عاملة إيه؟ كويسة؟!
فهبت في ارتباك واقفة، وأحست إن جسمها قد استرد كل صحته وعافيته ما أن رأته، وهمهمت وهي تزدرد ريقها في خجل تصاعد إلى وجنتيها الشاحبتين فتوردتا:
_كويسة؟! أنا كويسة؟! مش عارفه.
غمغمت مرتبكة، وعندما وجدت نفسها تهذي لاذت بالصمت، وسألته في لهفة تطل من عينيها:
_أنت.. أنت عامل إيه طمني عليك؟
فرفع عيناه وتعلقت عيناهما لثوانٍ قبل أن ترخي هي جفنيها في خجل مع تدفق الحنان المشع في عينيه، وخفق قلبها بين جوانحها، وهو يجيبها:
_أنا تمام، بس أنتِ عاملة إيه؟
رفعت كفها إلى موضع قلبها الخافق في جنون، وقالت وهي تسبل جفنيها:
_انا بخير الحمد لله..
وهمست في نفسها (مين ممكن ميشوفكش وميكنش بخير؟!)
كانت تشعر بزغرودة سعيدة تنطلق في اعماقها وهذا الاهتمام يحفها به..
حتى غمغم وهو يتنهد في ارتياح:
_الحمد لله، مع السلامة.
وفي ثانية كان يستدير، فتطلعت إلى ظهره في فزعٍ، وهتفت:
_بلال.
فوقف، بل توقف قلبه مع نداءها، وعاد ينبض من جديد، وسألها برفق دون أن يلتفت:
_نعم.
وصمتت مليًا، لم تكن تدرِ لماذا أوقفته؟!
ما الذي تريده منه؟!
ودت لو تسأله هل جاء ليسأل عنها حقًا؟!
أم إنها تتوهم..
ثم لم تلبث إن ضاعت كل تلك التساؤلات من اعماقها، وسألته بجزعٍ حقيقي، بسؤال أرهقها، وجعلها مسهده، واورثها اعياءً على اعيائها:
_هو .. هو ربنا ممكن يقبلني بكل ذنوبي دي، ممكن يغفر لي ولا كده مليش توبة ونساني.
قالتها بصوتٍ حزين مختنق بالبكاء، فمزق نياط قلبه وهو يلتفت إليها بهدوء، وتطلع إلى وجهها، ثم رتل بصوتٍ رخيم يبعث الراحة والسكينة في القلوب:
_{ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }
[سُورَةُ الزُّمَرِ: ٥٣]
قال الآية ولم ينبس، ترك كلمات الآية تعبر إلى قلبها فتجيبها..
واجابتها واغروقت عينيها بالدموع وهي تدرك كم رحمة الله عظيمة.
ثم تفاجئت به يسألها وهو يعقد ساعِديه:
_تعرفي حدير؟!
فظلت لفترة تنظر إليه ذاهلة، من حدير؟!
ما هذا الاسم؟!
من يكون حدير؟!
فهزت رأسها نفيًا في خجل زال مع بسمته الحنونة، وصوته يهمس:
_ ياإلهي! ألا تعرفين حديرًا؟!
أيوجد أحد لا يعرف حديرًا!
أثمة من لم يروِ قلبه بقصة حدير؟!
قصة غيرُ أي قصة؟!
قصة تعلمنا معنى اليقين والإيمان!
ذاكَ صُحابي لم ينساه الله؟!
فكيف نظن إن الله ينسانا؟!
إصغي إذن بقلبك قبل أذنيكِ، هل فعلتِ؟! أيقظي قلبك وجوارحك وحواسك لتتلقي قصة حدير فتمتلأ به كل ذرة فيكِ.
صمت بلال لهنيهة، ثم اردف:
_جاء وفدٍ من اليمن إلى رسول الله ﷺ في العام السادسِ من الهجرة وكان الرسول يستقبل الوفود من القبائل والقرى ليتعلمون ما يتيسر لهم من القرآن الكريم ثم يعودون إلى بلادهم، وكان رسول الله ﷺ لما يُعلم من يأتون إليه ما تيسر من القرآن والسنة وعند انصرافهم يهدي كل منهم هدية، فحل وفد اليمن إلى الرسول صل الله عليه وسلم ومعهم حدير وكان أصغرهم فجعلوه يجلس مع الإبل يراعيها، وإنهم سيبايعون له النبي صل الله عليه وسلم، فدخلوا وبيايعوا الرسول وأعطاهم هداياهم ونسوا حدير تمامًا، ونساه رسول الله صل الله عليه وسلم، وكانوا قد اعلموه بحدير وإنه في الخارج برفقة الإبل، وتلهوا هم بهدايهم... كان حدير يجلس بجانب الإبل يذكر الله عز وجل يرددُ ( سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله اكبر).

أخذ بلال نفسًا عميقًا، ثم استرسل:
_انطلق الوفد ومعهم حدير في آخر الركب، وبينما هُم ينطلقون، كان فارسٌ يعدو مع فرسهِ خلفهم يسأل عن حديرٍ، فلما عرفه، أخبره إن رسول الله صل الله عليه وسلم يقرؤه السلام، ويرسل له هديته..
فتعجب حدير!
كيف علم الرسول عنه؟!
من أنبأه إنه لم يأخذ هدية؟
فأخبره مُرسل الرسول إن جبريل أتى الرسول وقال له إن الله يخبره أن لا ينسى حديرًا.
فقال حدير: اللهم كما لم تنسى حديرًا، فأجعل حديرًا لا ينساك.
فكان حديرًا لا يفتر لسانه عن ذكر الله أبدًا.
سكت بلال لوهلة، وقال وهو يرفع عيناه إليها:
_انظري، لم يفتكر الرجال حديرًا وتلهوا في هداياهم!
لم يفتكر الرسول حدير..
لكن أفتكره الله عز وجل..
قد ينسانا العالم كله لكِنَّ الله لا ينسى
هذه القصة فيها إشكال، وقيل إن اسنادها ضعيف، فقد ذكرها ابن الجوزي في كتابه ( صفة الصفوة) ورواها عن ابن عمر رضي الله عنهما،وذكرها وابو نعيم في كتابه معرفة الصحابه، وقد قالها بعد المشايخ كـ الشيخ سمير مصطفى، ومحمد الغليظ، ورمضان عبد الرازق.. وغيرهم.
تفاجأ بلال بخطين من الدمع يسيلان على وجنتيها، فصمت وأطرق لثوانٍ، قبل أن يغض الطرف، ويقول:
_كفاية أنك تلجأي إلى الله سبحانه وتعالى بيقين وندم وعزم على عدم العودة لهذه الذنوب وسيغفر .. سيغفر لإنه غفار رحيم تواب رؤوف فأطمعي في كرمه ومغفرته.
واستدار ليغادر، عندما اوقفه قولها الذي كان كالصاعقة التي هوت على قلبه بغتة:
بلال، تشتغل عندي؟


لمتابعة باقي الحلقات الرواية تابعنا علي قناة تليجرام 




انتهت أحداث رواية والتقينا الفصل التاسع، لمتابعة باقى أحداث رواية والتقينا الفصل العاشر  أوقراءة المزيد من الروايات المكتملة فى قسم روايات كاملة  إلى اللقاء فى حلقة قادمة بإذن الله.
admin
admin
تعليقات